البصل
يكاد يفوق الحصر ما
يستطيع البصل أن يفعله كغذاء ودواء، ففي مختلف بلاد العالم، وفي مختلف ادوار التاريخ
ن نرى أن البصل يحتل مكانة تكاد تحسده عليها الأغذية الأخرى.
ولقد بلغ من اهتمام
الفراعنة بالبصل ، واعتمادهم عليه ، أنهم كانوا يقسمون به . فقد كانت له عندهم
مرتبة تقرب من التقديس ، وورد ذكره كثيرا فيما خلفوه من كتابات على أوراق البردي ن
وجدران المعابد ، وكانوا يضعونه مع الجثث المحنطة لكي ينبهها ويساعدها على
استئناف التنفس عندما تبعث حية ، وذكر
أطباؤهم كثيرا من الوصفات التي نصحوا فيها
بالاعتماد على البصل ، كمدر للبول ، ومغذ ومشه ، وكانوا يضعونه على مدخل جحر
الثعبان لمنعه من الخروج، ومن كلمة " معبد" التي كان الفراعنة يطلقونها
على هذه النبتة ، أخذت كلمة ،" البصل " التي نستعملها الآن.
وفي بلاد الإغريق ،
كانت للبصل نفس المكانة . فقد تحدث أطباؤهم عن البصل بكثرة ، ووصفوه في كثير من
الحالات .
وقد اثبت الطب
الحديث ، صحة ما ذهب إليه قدامى الأطباء ، بل واكتشفت فيه منافع وخواص جديدة
وواسعة النطاق لم يحددها الأطباء القدماء.
فقد أجرى البحاثة
الروسي "ب.توكين" دراسات واسعة على مائة و خمسين صنفا من النباتات
القاتلة للجراثيم ، فتبين له أن البصل هو في مقدمة تلك النباتات، بل وأكد أن له
مفعولا واضحا في قتل جراثيم التيفوس. واثبتت تجربة قام بها الدكتوران " فيلا
نوفا" و "تووديسنيف" من جامعة تومسك الروسية – إن الأبخرة المتصاعدة
من البصل قادرة على قتل البكتريا الضارة
وخاصة في الجروح الملوثة، وأثبتت تجربة أخرى قام بها بعض بحاثة محطة التجارب
بولاية ميتشغان الأمريكية أن إضافة عصير البصل إلى المادة القاتلة للأعشاب
الطفيلية تجعلها أقوى مفعولا .
والحقيقة أن كل ماذكر صحيح، بل واقل من الحقيقة
، ففي البصل فوائد عديدة جدا ، تجعله يفوق التفاح في قيمته الغذائية ، ففيه من
الكالسيوم مقدار يزيد عشرين ضعفا عما في التفاح، ومن الفسفور ضعف ما فيه ، ومن
الحديد والفيتامين (آ)ثلاثة أضعاف ما فيه.
وبالإضافة إلى ذلك يحتوي البصل على الكبريت
والفيتامين (ث) ومادة (الكلوكولين glukonin ) التي تعادل الأنسولين من حيث
مفعولها في تحديد نسبة السكر في الدم ، كما يحتوي على مواد مؤثرو على القلب
والدورة الدموية ، وأخرى مدرة للبول والصفراء ، ومواد ملينة للباطنة ومقوية للأعصاب
و هرمون يغذي القدرة الجنسية ، ومواد وقدرات أخرى، مازال العلم يكتشف مزيدا منها
مع مرور الزمن.
ويعتبر البصل من نبتات الفصيلة الزئبقية ، وان احتوائه على
خمائر " اوكسيداز وديأستاز " هو الذي يمنحه خاصية الإدرار ، كما يجعله
مفيدا في حالات تشمع الكبد ، والاستسقاء،
وتورم الساقين وانتفاخ البطن ، وبعض أمراض القلب ، و انصبابات الجنب ، ولكن هذه
الخمائر تضمحل وتتلاشى بتأثير الحرارة ، ولذا يجب تناول البصل نيئا للاستفادة منها
. وإذا كان لا بد من طبخه فيجب أن يكون على نار هادئة وخفيفة.
وقد ثبت أن خلاصة البصل
الطازجة مفعولا قاتلا للجراثيم التي تستوطن الفم والأمعاء ، كما تفيد
المصابين بآفات القلب الوعائية "
خناق الصدر " وبتصلب الشرايين . وبما أن البصل لا يحتوي على النشاء فان بإمكان المصابين
بالسكري تناوله دون محذور ، بل والاستفادة من قدرة مادة " الكلوكونين"
الموجودة فيه على تحديد نسبة السكر في الدم ، ولعل الاعتقاد الشعبي السائد بمنافع
البصل وفوائده ، هو أكثر وجباتهم ، وخاصة مع الفول المدمس ، وهذا تصرف سليم جدا،
فان وجبة مؤلفة من أصناف اللحوم والشحوم ، بل وأفضل منها لأنها لا تخلف في الجسم
من السموم ما تخلفه المواد الدهنية.
وقد تبين أن للبصل
قوة شفائية عالية في حالة ضخامة البروستات واشتداد أعراضها، كما أفاد إعطاء البصل
نيئا في تخلص المصابين بالزحير البولي من التردد على المراحيض كل خمس دقائق مرة.
ولكن الناس اعتادوا أن ينفروا من تناول البصل ،
أو أن يقتصدوا في تناوله نيئا ، نظرا للرائحة الكريهة التي يبعثها مع ا نفاس آكله ،
ولذا توصل العلم لأكثر من حل لهذه المشكلة ، إبقاء على مكانة البصل الدوائية
والغذائية،فقد صنعت خلاصة مركزة تحتوي على
جميع العناصر الفعالة في البصل ، تعطي بمقدار نصف ملعقة في نصف قدح من الماء المحّلّى
بالسكر مرة قبل طعام الغذاء، وأخرى قبل
النوم . وإذا أضيفت أملاح المغنزيوم إلى خلاصة البصل تلك ، كان المفعول أقوى وأشد،
وخاصة في حالات أمراض البروستات ، والكليتين ، والتسمم الدموي الخفيف.
وابتكرت طريقة أخرى للتخلص من رائحة البصل ، اعتمادا على خاصة "خضير النبات"" الكلوروفيل " في امتصاص الروائح ن فقد صنعت حبوب تحوي خلاصة الكلوروفيل المركزة ، يستطيع المرء أن يتناول منها حبة كل ثماني ساعات ، وبهذا يقضي على رائحة البصل ، أو الثوم ، أو غيرها من الروائح الكريهة.

