القسم الثاني الخضروات

القسم الثاني

الخضروات

تحفل الطبيعة بأنواع كثيرة من الخضار، بعضها يتمتع بإقبال الناس وإعجابهم ، وبعضها " يعيش " مغمورا ، لا يكاد يلتفت إليه إلا القلة ، إما لرخص ثمنه الذي يعود لكثرته ووفرة إنتاجه وإما لأن الناس يجهلون ، أو يتجاهلون ، ما فيه من فوائد.

ومن البديهي  أن نقول أن الطبيعة لا يمكن أن توجد شيئا بدون سبب، وان لكل  مخلوق فيها ، مهما كان تافها ، دوره المحدد في الحياة ، وإذا كانت افهامنا  لا تصل إلى معرفة دور كل ما في الدنيا من مخلوقات ، فليس هذا ذنب الطبيعة ، وإنما هو دور "الافهام"  التي تريد – أو لاتستطيع – أن تعرف كل شيء . وهذا القول ينطبق على الأغذية بشكل عام ، فلكل منها ميزاته  وخواصه ، ولكل منها –بالتالي – دوره في تامين أسباب الحياة والوقاية والعلاج للإنسان  . وإذا شئنا تخصيصا أكثر – ما دمنا نتحدث عن الخضار – فإننا نقول : إن الخضار تشكل بمجموعها وحدة متكاملة من مصادر الغذاء ، فكل زمرة منها تختص بمجموعها وحدة متكاملة من مصادر الغذاء ، فكل زمرة منها تختص بمقادير معينة من الفيتامينات، أو الأملاح ، أو المواد الأخرى . ومن الضروري لنا أن نعرف – ولو بصورة موجزة – خصائص كل منها ، لنفيد منه إلى أقصى الحدود عندما نضع برامجنا الغذائية.

إن الخضار مصادر ممتازة للأملاح المعدنية القابلة للتمثل ، وللماء الذي تنحل فيه المعادن والسيللوز، وللفيتامينات ، وهذه العناصر – بمجموعها6 تعتبر وسيلة الحياة والنمو والوقاية من الأمراض.

صحيح أن بين الأغذية الأخرى ، مصادر للعناصر المذكورة نفسها ، إلا أن توفرها في الخضار يتيح لنا فرصة أوسع لتأمين حاجتنا من تلك العناصر بصورة مباشرة، وقابلة للتمثل  ،تحتوي على مواد مضادة للحموضة تحتاج إليها احتياجا كبيرا . ولذا فإننا نرى أن آراء ( النباتيين) على جانب كبير من الصحة ، حين يؤكدون بأن النباتات ، من فواكه وخضار ، تحتوي على كل ما يلزم الإنسان من المنتجات العضوية ، وان كانوا يخطئون حين يزعمون أمها المصدر الوحيد.

 إن اهمية العناصر التي تشتمل الخضار عليها ، هو أن فائدتها تكون أكثر عندما تؤخذ كما خلقتها الطبيعة بدلا من أخذها على شكل مستحضرات معلبة أعدت في المعامل ، لأن العناصر الطبيعية تؤدي عملها الفسيولوجي بمساعدة عناصر أخرى لا تزال مجهولة ، فالتوازن الذي أقامته الطبيعة في كل عناصرها ، لا يتحقق عندما تدخل على تلك العناصر أشياء صنعتها – أو تصرفت بها – يد الإنسان . مثال ذلك أن الذين يتناولون الخمور ، أو يتعاطون التدخين ، يسيئون الى أجسامهم بصورة تذهب  بأية فائدة – إن وجدت حقا – بينما  نجد هذا المحذور  بالنسبة للأغذية الطبيعية.

لقد ثبت للعلم أن في الخضار فوائد اكبر بكثير مما كان مقدراً، فألياف السيللوز التي توجد فيها ضرورية  لتأمين عمل الجهاز الهضمي ، وان المصابين بالقبض هم أولئك الذين لا يتناولون كميات كافية من الخضار مطبوخة كانت أم نيئة ، وبهذا فقدت أمعاؤهم قدرتها على العمل بشكل طبيعي ما دامت فقدت العامل المحرك لتلك القدرة .

وبالمقابل، نجد أن الطبيعة قد ذهبت في تحقيق التوازن إلى ابعد حد، فالقيمة الحرورية (الكالورية) للخضار تعتبر ضئيلة جدا إذا قيست بالفواكه أو بالمنتوجات الحيوانية : فان مائة غرام من السبانخ أو الملفوف تعطي 35كالوري (سعرا) فقط ،ومن الفاصوليا 40سعرا ، في حين أن هذا الرقم يرتفع إلى أضعاف أضعافه في الفواكه أو المنتجات الحيوانية ، أو في حالة تجفيف بعض الخضار.

على انه لا بد لنا من أن نحيط ببعض المعلومات الضرورية عن خواص كل نوع من الخضار – لنعرف- بالتالي كيف نفيد منه، فهناك اعتقاد بأن طبخ الخضار يذهب بفيتاميناتها ويخربها ، ولكن إلى أي حد ؟هذا ما يجب أن نعرفه، فهناك خضار تحتمل درجة من الحرارة لا يتحملها نوع آخر وهناك خضار تفقد فيتاميناتها بمجرد تقشيرها، كما أن هناك خضاراً يكفي لإفقادها فيتاميناتها أن تحفظ بطريقة غير مناسبة.

لقد ثبت أن طريقة التقشير التقليدية بالسكين ، تذهب –دون شك- بجانب كبير من الأملاح والفيتامينات الموجودة في بعض الخضار ،لا سيما إذا القينا  جانباً بالماء الذي طبخناه فيه . وبالمقابل فان العالم السويسري ، " ديمول "يقول بان طبخ  الخضار يفيد أكثر مستهلكيها لأنه يجعلهم أكثر قدرة على هضمها ، وخاصة أولئك الذين تعجز معداتهم عن هضم الخضار نيئة.

وهناك طريقة غذائية وعلاجية في آن واحد ، تقضي بأن يتم تناول الخضار المطبوخة والنيئة على التوالي، وهي طريقة مفيدة بشكل خاص للذين يشكون من أمراض مزمنة في المسالك البولية ، فيتناولون الخضار في وجبة الصباح ويمضغونها جيدا ، وبذلك يحفظون للخضار موادها السكرية فينحل " السيللوز" قبل أن يصل إلى القسم الأول من الأمعاء الغليظة حيث يكتمل التخمر . كما أن تناول الخضار "الرقيقة "كالبقدونس والبصل ، يعمل على تهيج العصارات الهضمية فيسهل بالتالي هضم الخضار الأخرى وهي نيئة .

والسؤال الآن:

-      هل يستطيع الإنسان أن يقتصر في غذائه على النباتات وحدها؟....

إن الطب  ينصح بذلك في بعض الحالات فعلاً ، تلك الحالات التي يكون  فيها المرء مصابا بمرض القلب أو الكلى ، شريطة أن تكون معدته قادرة على تحمل هذا اللون من الغذاء ، إذ لا بد للطبيب من أن يقرر ذلك، ويرى رأيه في أنواع النباتات المستعملة ، لأن لكل منها خواص معينة تفيد في أمراض وحالات معينة. فبالإضافة إلى الأمراض الجلدية كالشري والمستشري ، والاكزيما   المزمنة ، وفي حالات الإصابة بداء النقرس والتهاب المفاصل ، وفي وصفات قدامى الاطباء نجدهم ينصحون  بالنباتات في الالتهابات الحادة ، وقد أيد الطب الحديث هذه الوصفات دون تحفظ، وأيد استخدام العلاج النباتي في الحالات التي يعجز فيها العلاج الدوائي وخاصة في أمراض ثضخم الدرقية  وفي بعض الاضطرابات العقلية التي يرافقها التهيج، كما يستفيد منه المصابون بوجود الرمل والحصى  في المجاري البولية وبمرض السكري ، ولكن مايجب التنبيه إليه دائما هو أن العلاج النباتي لا يجوز أن يتم إلا بإشارة الطبيب وبإشرافه .

على أن الحقيقة المؤكدة في هذا الأمر ، إن النظام النباتي لا يلائم أبداً أولئك الذين يمارسون أعمالا بدنية ن ولا الأطفال والمراهقين ، لأن الخضار لا تستطيع تقديم الغذاء اللازم للجسم الآخذ في النمو ، إذ أن هذا الجسم بحاجة إلى الحمضيات الامينية  والشحمية ، والمواد اللحمية  والسكرية والآزوت والفيتامينات التي تتوفر في الخضار بالكميات اللازمة . كما أن المصابين بالتدرن الرئوي لا يستطيعون الاكتفاء بالخضار وحدها في تغذيتهم لأن الالتهابات التي يشكون منها لا تتكلّس بالتهام الخضار وحدها ، بل لابد لهم من الدم الغني بالفيتامين والسيترول.

 ومن جهة أخرى ، فان زيادة السيللوز النباتي في الجسم ، يزيد في تهيج الأمعاء المزمن الناجم عن التخمر الزائد عن اللزوم ، بسبب الفضلات النباتية الزائدة في الجسم، ذلك أن زيادة السيللوز تؤدي إلى فقدان الأملاح من الجسم ، ونفس الأثر تحدثه كثرة المواد النشوية لدى الذين يسرفون في تناول الخبز.

ان تطبيق نظام التغذية النباتية لا يجوز أن يتم اعتباطاً، بل يتطلب عناية كبيرة في وضعه وتنفيذه ، عناية تقوم على معرفة حاجات الجسم الحقيقية للغذاء ، ثم معرفة المواد التي تؤمن تلك الحاجة وتسدها . وفوق هذا فالنباتات  تعتبر مرتعا خصبا جدا للجراثيم الضارة والبيوض الحاملة للديدان ، ولا بد من الانتباه إلى تحقق النظافة الكاملة فيما نتناوله من خضار .

 إن جميع الخضار غنية بالبوتاس ، هذا المعدن المضاد للصوديوم فإذا ما تناولنا الخضار بكثرة ، فإنها تطرد الصوديوم من الجهاز البولي وقد لا يحدث ذلك تأثيرا ضاراً إذا كان الغذاء منوعا ومتوازنا ، بحيث لا يغطي البوتاس على الصوديوم ، أما إذا اختل هذا التوازن فان وقوع الضرر يصبح عند ذلك مؤكداً . فخلال الحرب العالمية الأخيرة كان كثير من البلاد التي نقصت فيها الأغذية الحيوانية ، يقتصر في غذاء مواطنيه على تبين  الأطباء أن سببها هو عدم التوازن بين البوتاس والصوديوم ، فكان ذلك سببا في إصابة الكثيرين  بالوهن الناجم عن نقط الضغط الشرياني، والعجز العضوي في الغدة الكظرية (وهو ما يعرف بمرض أديسون) الناشئ عن زيادة البوتاس وقلة الصوديوم ، وهذا المرض قد يؤدي إلى انخفاض الضغط بشكل مذهل ، وهو منتشر لدى السيدات  اللواتي هجرن تناول اللحوم هجرا تاماً  - حفظاً لرشاقتهن – فكان انخفاض ضغطهن قويا لدرجة أن الأطباء الذين فحصوهن شكوا في سلامة أجهزة قياس الضغط التي يستعملونها ..

ومشكلة أخرى يسببها اختلال التوازن بين البوتاس والصوديوم ، هي مشكلة اتساخ الجلد ببقع قاتمة ذات منظر منفّر ، فإذا كنا نؤيد- من حيث المبدأ- الإقلال من المواد الحيوانية ، والاستفادة من المواد النباتية،إلا أننا نتشدد في التنبيه بأن مثل هذا الإجراء يجب أن يكون واعيا ومنبها لما قد ينجم عنه أخطار . وهذا الوعي يفرض – دائما وأبدا- أن نعرف كيف نختار طعامنا وكيف نأكله . ونضرب على ذلك مثلا.. فان تناول عصير الفواكه بعد ليلة تناول فيها الإنسان خمراً ليس له أدنى فائدة لأن الكحول الموجودة في الخمر ، تخرب جميع الفيتامينات الموجودة في العصير، نظرا لأنها تؤذي الكبد أذى كبيرا ، فما فائدة تناول أطنان من العصير الغني بالفيتامينات إذا كان الكبد عاجزا عن الاستفادة منها؟.

إذن.. فالمهم –دائما وأبدا- أن تكون لنا الأجهزة الهاضمة القادرة على تمثل الغذاء والاستفادة منه ، قبل أن نختار لأنفسنا النظام النباتي أو الحيواني. وبعدها نستطيع وضع البرنامج اللازم على ضوء حاجات أجسامنا ومتطلباتها وقدرتها. 

 

أحدث أقدم

نموذج الاتصال