الثمار الشتوية
المعروف أن الصيف هو فصل الفاكهة . وهذا صحيح طبعا . فان حرارة هذا الفصل تفعل فعلتها في إنضاج الثمار . وتقديمها للناس جاهزة للأكل بكل ما فيها من فوائد كان لشمس الصيف أثرها في تزويد تلك الفواكه بها. على أن الإنسان
استطاع ، كعادته ن أن يتغلب على عدم توفر الفواكه في الصيف، بالاحتفاظ بهذه
الفواكه ، أو بعضها وبعبارة أدق : الاحتفاظ بأكثر خواصها ، والإفادة منها في أيام
الشتاء التي يحتاج فيها الإنسان إلى طاقة حرارية أكبر تعينه على مقاومة برد ذلك
الفصل . فإلى أي حد استطاع الإنسان أ، ينجح في ذلك. وما هي
الثمار التي نستطيع – بطريقة أو بأخرى- أن نحتفظ بها إلى الشتاء؟...
هناك مثلا ، الخوخ والتين والمشمش والعنب ، وكلها
قابلة للتجفيف والتخزين حتى الشتاء .. وهي ذات قيم غذائية عالية إذا عرف الناس كيف
يتناولونها، وقبل هذا : إذا عرفوا كيف يهيؤنها لمواجهة الزمن ولكي نحيط بفكرة
واضحة عن هذه الناحية ، يجدر بنا ان نعلم ان ثمرة المشمش أو الخوخ التي قطعت حديثا
تحتوي على نسبة من الماء لاتقل عن ثمانين بالمائة من وزنها . وإذا كان لهذا الماء
فضل إرواء العطش ، فهو- في الوقت نفسه – يعمل على الإسراع بفساد الثمرة،لأن الماء
وسط ملائم للزرع وهو غني " بالفركتوز" والعناصر الأخرى التي تلائم نمو
الرشيمات والتعفن السريع.
ولكي يمكن الاحتفاظ بثمرة غضة لمدة طويلة يجب إنقاص
نسبة الماء الموجودة فيها ، بحيث لا تزيد عن عشرين بالمائة من وزنها فقط ، فهذا هو
المقدار الذي لا تستطيع الجراثيم الحيوية – وخاصة العفن- أن تتولد فيه . و بالمقابل
فلما كانت نسبة السكر في الثمرة مرتفعة
ازدادت قدرتها على مقاومة الزمن ، وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه
صناعة المربيات : طرد الماء وزيادة السكر.
ولقد بذل الإنسان
، في مختلف العصور ، جهودا كبيرة للتوصل إلى أنجع الطرق الكفيلة بالاحتفاظ
بالفواكه صالحة للأكل ، ونشطت هذه الجهود بشكل خاص في حوض البحر الأبيض حيث تسطع أشعة
الشمس في أكثر أيام السنة ، واستطاعت – تلك الجهود – أن تحقق نتائج باهرة ، جعلت
بعض بلدان المنطقة تشتهر ببراعتها في حفظ أنواع معينة من الفواكه ، فعرف الناس زبيب
اليونان ، ومشمش دمشق وتركيا وإيران.
أما في البلاد الشمالية ، حيث تحتجب الشمس جانبا غير قليل من أيام السنة ، وحيث ترسل حرارة
ضعيفة ، فقد اضطر الناس إلى إتباع طرق أخرى كالتبخير ، والعصر والضغط. ثم أمكن التوصل إلى
" تصنيع" عملية التجفيف
باستخدام الآلات ، وتيارات المواد الساخنة، والتسطيح الميكانيكي.
إن أهم ما نلاحظه في الثمار المجففة هو ميل ألوانها إلى
القتامة والسواد ، وسبب ذلك هو التأكسد ، وإذا
كان الباعة يقدمون لنا هذه الثمار وهي ذات لون " فاتح " يقرب من لون
الثمرة الطازجة ، فان ذلك إنما يتم بوسائل صناعية تجعلنا نتساءل عن مدى تأثيرها
على الفائدة المتوخاة من تلك الثمرة . فعندما تبدأ عملية التجفيف ، تغمس الثمرة في
ماء حار يؤدي إلى تخريب خميرة التأكسد " الاكسيداز" ولكن التبييض يعتمد
على وضع الفاكهة في محيط خاص أساسه
" الآنيدريد"الكبريتي ، وهو غاز يحول دون
التأكسد ، فتشربه الثمار وتتثبت فيه ، ويعني هذا انه كلما كانت الثمرة أقرب إلى
لونها الأصلي وهي غضة ، كانت أكثر تشربا للمواد الكبريتية التي عرضت لها . ولكن
هذا العمل لا يخلو من المحاذير ، بل إن الكبريت إذا زاد عن الحد المعقول تحول إلى
سم، ولذا فقد نصت التشريعات في بعض البلاد على تحديد كمية الكبريت إلى حد لا يشكل
خطرا .
و السؤال
الآن:
-ماذا عن الفيتامينات ؟... وهل تبقى في الثمار
المجففة ؟.. وما هي مقاديرها وفوائدها؟...
ان الفواكه ، كما تعلم ، منبع غزير من منابع الفيتامينات
، وخاصة الفيتامينات (ب1)و(ب2)و(ب ب) و(ث) ، فما الذي يبقى من هذه الفيتامينات بعد
التجفيف ؟...
لنأخذ التين
كمثال ... فثمار التين التي تجفف في حرارة مقدارها خمسون درجة تفقد مخزونها من
الفيتامين (ث)كله، أما الفيتامين (آ)فانه ينخفض من 140وحدة إلى 80وحدة في المائة
غرام من التين،ذلك أن الفيتامين(آ) يستطيع أن يقاوم درجات الحرارة القوية وان كان
سريع التأثر بأوكسجين الهواء ، أما الفيتامين (ث)فهو لا يستطيع مقاومة الحرارة
والهواء فيخرب بسرعة . وهنا نقول أن بالإمكان حفظ الفيتامين (آ) والفيتامين (ث) إذا
تم التجفيف بوسائل كهربائية ، أما إذا استعملت وسائل أخرى فقد تكون سببا في القضاء
على ما في الفاكهة من الفيتامين ، وقد أخذت الصناعة الحديثة بعين الاعتبار هذه
النواحي ، واتخذت من الوسائل ما يكفل الإقلال من الفيتامين الذي نخسره بالتجفيف
بحيث لا تزيد نسبة الفيتامين المفقود عن 1-10% من
مخزون الثمرة وهي في حالة غضة.
ومن جهة أخرى
، حري بنا أن نلاحظ ، وان ننتبه إلى حقيقة
هامة وهي أن مائة غرام من الثمار المجففة
تعادل – على الأقل – أربعمائة غرام من نفس الثمار وهي غضة .
إذن .. فالثمار المجففة التي تؤكل في الشتاء مصادر
غنية بالفيتامينات فإذا أخذت بمقادير قليلة . اعطت مائة غرام منها مقدارا وسيطا من
الحرورات لا يقل عن 280حريرة وسطيا ، بينما لا تعطي وهي طازجة أكثر من 60-80 حريره فقط.
ان الثمار المجففة ، بهذه الصفات التي تتميز بها ،
تعتبر غذاء أساسيا للرياضيين والعمال وكل من يمارسون أعمالا مرهقة ، كما إنها تفيد
الأطفال إذا أعطيت لهم بمقادير ضئيلة ، فان ما فيها من أملاح وسكر على شكل فركتوز
، يفيد في نمو الأطفال ويقيهم شر الإصابة بحفر الأسنان .
وبصورة عامة
يمكن القول ان الثمار المجففة تعطي 78 % من المواد السكرية والنشوية ،
و 6% من البروتينات ، ونسبة عالية
من الأملاح المعدنية ، بالإضافة إلى الفيتامينات (آ،ب،ث).

