التمر

التمر

إن أول صفات سكان الصحراء هي القوة ، وبعض صفاتهم الأخرى الرشاقة ، والطول ، والمناعة ضد الأمراض . فكيف ولماذا اكتسب أولئك صفاتهم هذه؟

من المؤكد أن للغذاء الرئيسي الذي يتناولونه ، وهو التمر ، اكبر الفضل في ذلك ، حتى أن العلم لقب التمر بأنه " منجم" غني بالمعادن ، وهذا غير فوائده الأخرى التي تجعل منه غذاء "كاملا" بكل ما في الكلمة من معنى ، رغم رخص ثمنه وتوفره الدائم في الأسواق ، مما يجعل منه فاكهة الشتاء الأولى بغير منازع. ولقد دلت الحفريات التي أجريت  في مقابر الفراعنة، على شدّة تقديرهم له، حتى نقشوه على جدران معابدهم ، وأشادوا بفوائده غضا وجافا ومسكرا وعلى شكل " عجوة" . وفي كثير من الأدبرة القبطية  كتابات ومذكرات تدل على مدى ما كان للتمر من قيمة غذائية بالنسبة للقساوسة والرهبان ، ولعل ذلك يرجع إلى انه كان طعام " مريم" أيام حملها بالسيد المسيح عليه السلام ، فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى :-" وهزي إليك بجدع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ، فكلي واشربي وقرّي عينا".

وفي تاريخ العرب وقصص حياتهم وحروبهم ن دور كبير للتمر كغذاء رئيسي من أغذيتهم ،بصورة تفسر لنا كيف استطاعوا أن يجدوا القدرة على أن يفتحوا البلاد والأمصار ، ويقاتلوا الدول والجيوش ، وليس في جوف المقاتل العربي سوى بضع ثمرات.

وقصة ابن الحمام السلمي في غزوة بدر تعطينا صورة عن المحارب العربي القديم ، لقد كانت قريش آ آنئذ تفوق رجال النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أضعاف أو أكثر . وقف الرسول ينظم صفوفهم ويحثهم على القتال  فقال : والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا ، مقبلا غير مدبر ، الا ادخله  الجنة. وكان عمير بن الحمام قد انتحى ناحية يمضغ بضع تمرات حسب عادة المحاربين يومئذ ، فلما سمع كلام الرسول رمى التمر وقال : بخ بخ ما بيني وبين أن ادخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء .. واندفع مع المندفعين.

إن التمر ، هذه الفاكهة الصحراوية الممتازة ، غني جدا بالمواد الغذائية الضرورية للإنسان ، فان كيلوغراما واحدا منه يعطي ثلاثة آلاف كالورى أي ما يعادل الطاقة الحرارية التي يحتاج إليها الرجل متوسط النشاط في اليوم الواحد. وبعبارة أخرى إن الكيلوغرام الواحد من التمر يعطي نفس القيمة الحرارية التي يعطيها اللحم ، وان ما يعطيه الكيلو الواحد من البلح يعادل ثلاثة أضعاف ما يعطيه كيلو واحد من السمك .

إن التمر يحتوي على الفيتامين(آ) ن وهو موجود بنسبة عالية تعادل نسبته في أعظم مصادره . أي تعادل نسبته في زيت السمك وفي الزبدة. والفيتامين(آ) كما هو معروف يساعد على زيادة وزن الأطفال ولذلك يطلق عليه الأطباء اسم " عامل النمو" كما انه يحفظ رطوبة العين  وبريقها  ويمنع الخواص وجحوظ الكرة العينية ، ويحقق في الطبقة المشيمية الداخلية للعين عملا طبيعيا لأنه يعمل على تكوين الأرجوان الشبكي ، وبذلك يضاد الغشاوة الليلية ، ويجعل البصر نافذا ثاقبا في الليل فضلا عن النهار، وقد استعمله الطيارون الأمريكيون  إبان الحرب العالمية الأخيرة أثناء غارتهم الليلية  كي يعاونهم على تمييز الأهداف بالظلام . ولذا فان غنى التمر بالفيتامين (آ) يجعلنا نؤكد فائدته في تقوية الأعصاب البصرية ، وفي مكافحة الغشي الليلي ، ومن المعروف إن سكان الصحراء مشهورون بالرؤية من مسافات بعيدة.

والأطباء الأخصائيون في الأذن ، يصفون الفيتامين (آ)اليوم لتقوية الاعصاب السمعية ، وعلى هذا فالتمر يفيد الشيوخ الذين بدؤا يعانون قلة السمع والوشي شاو بالأصح ضعف الأعصاب السمعية.

وبما ان الفيتامين (آ) يسمى بفيتامين النمو فانه يساعد جسم الفتيان والفتيات والأطفال على النمو والتكامل فيغدو الفتى رشيقا نشيطا . وكذلك لا يخشى منه على الفتيات إذ انه لا يورث السمنة عندهن ، ولا يسيء إلى قاماتهن ، لخلوه من المواد الشحمية والدهنية.

وهناك صفة نفسية هامة للتمر قل من ينتبه إليها ، وهو انه يضفي السكينة  والدعة على النفوس القلقة المضطربة وقد جعلت المدنية الحديثة كل فرد منا عصبيا متوفزا يكاد يجادل نسمه الريح ادا هبت .وكيف لا يصبح المرء  حساسا عصبيا وهو يعيش في هذا العصر .عصر السرعة الجنونية ن وعصر التلفون والراديو والتلفزيون والضجيج ؟أن كل ما حولنا مثير.

ويرد الطب الحديث المزاج العصبي إلى نشاط الغدة الدرقية الرابضة في مقدم العنق ن والى ازدياد مفرزها . وقد عرف أحيرا بان بعض النباتلت والثمار لها خاصة " ضد الدرقية "تحد من نشاطها ، وتلجم مفرزها ، نذكر منها الجزر ، والسبيناخ، واللوز ، والمشمش ،وفي طليعة هذه النباتات التمر .فادخلها في أطعمة العصبيين مما يفيد من تهدئتهم ، ويخفف من تحسسهم وتأففهم وتبرمهم بالحياة. ويعلل الطب الحديث هذه الأغذية باحتوائها على الفيتامين(آ)الذي يلعب دورا هاما مضادا للدرق ، مما جعل العلماء المتتبعين ، ينادون بمعالجة المصابين بالعصي ( أي باشتداد الودي  vagotonie) ومعالجة المضطربة اعصابهم بالفيتامين (آ)

وبخاصة إعطائه من مصادره الطبيعية كالتمر، وهم يرجحونه أيضا على المهدئات  و المسكنات العصبية   التي تورث الإدمان أولا ، وتثبط العزائم  وتدخل الخمول والكسل إلى متعاطيها ثانيا.

لذلك ننصح بإعطاء كل طفل ثائر عصبي المزاج بضع تمرات في صباح كل يوم لتضفى السكينة والهدوء على نفسه، فتحد من تصرفاته و اضطرابه . بل إنني انصح كل مستمع لا يستسيغ تناول فطور الصباح ( الترويقة) بأخذ بضع تمرات مع كاس من الحليب صباح كل يوم ، فانه بذلك سيستقبل نهاره مزودا بالوقود اللازم   لفكره وجسمه ، وبالعلاج اللازم لتهدئة أعصابه التي ستوفرها أحداث النهار.

 ويحتوي التمر على الفيتامين (ب1)، والفيتامين (ب2)، والفيتامين (ب ب) ومن شأن هذه الفيتامينات تقوية الأعصاب وتليين الأوعية الدموية ، وترطيب الأمعاء وحفظها من الالتهاب والضعف. وكل من له إلمام بسيط في الطب يعرف إن وصف الفيتامين (ب1) في الآفات العصبية : في الخذل والهذل وفي الشلل . وفي استرخاء القلب وفي القرحة المعدية وفي الجهود العضلية والفكرية ،  إذ نوصى به للناقهين والرياضيين والمفكرين .كما نصف الفيتامين (ب2) في آفات الكبد واليرقانات وتشقق  الشفاه وفي حالات الالليرجيا ( التحسس والشري) وفي تكسر الأظافر  وجفاف الجلد .ويضم التمر هذه الخواص الشفائية مجتمعة ، وفي هذا السبيل أجريت تجربة هامة : إذ أعطيت مجموعة من الفئران غذاء مؤلفا من السكاكر فقط ( على اعتبار أن السكاكر هي الوقود الحراري لكل ذي حياة ، ولأن الفئران تصلح للتجارب لأنها تتغذى بكل ما يتغذى به الإنسان، ولأنها سريعة التناسل تستطيع تعويض ما يفقد من إعدادها في المخبر بسرعة. وبعد  مدة قصيرة من تغذية الفئران بالسكاكر ظهرت عليها أعراض الاضطرابات الناجمة عن الحرمان ، فقل نشاطها ، وهزل جسمها ، وتساقط شعرها ، وتكاسلت في طلب الرزق، فلم تقوى أرجلها على حملها للمشي ، فلما أضيف التمر إلى غذائها تلاشت تلك الأعراض واختفت وعادت الفئران إلى النمو والنشاط من جديد.

والتمر غني بالفسفور  بنسبة عالية ، فهو أغنى من المشمش والأجاص ( العرموط) والفريز وأغنى من العنب ، ففي كل مائة غرام من التمر نجد أربعين ميلغراما من الفسفور بينما لا تزيد كمية الفسفور الموجودة في اية فاكهة عن عشرين ميلغراما في نفس الكمية ، وإذا عرفنا أن  الفسفور يدخل في تركيب العظام والأسنان،و إن الفسفور هو الغذاء المفضل للحجيرات النبيلة  nobles في جسم الانسان وهي حجيرات الدماغ والتناسل أمكننا  أن ندرك قيمة التمر الدوائية في تعويض ما يفقده أرباب الفكر والقلم ،وما يفقده الشباب من الضائعات التناسلية عندما يندفعون وراء ملذاتهم وشهواتهم . وأمكننا أن نعرف أيضا مدى أثره في القوة الجنسية،فإليه يعزو الغربيون سبب نشاط العرب الجنسي وتفوقهم على الغربيين في هذا المضمار.

 وعلاوة على ذلك ، فان بضع حبات من التمر تزيد في مفعولها عن فائدة زجاجة كاملة من شراب الحديد أو زرقة ( إبرة) كالسيوم، لأن الحديد والكالسيوم محلولان في التمر بشكل طبيعي يتقبله الجسم ويتمثله  بسرعة ، بينما أشربة الحديد والكالسيوم   تمجّها  المعدة وتثقل على غشائها المخاطين وقد لا يتمثلها الجسم ولا يهضمها كاملة . ودليلنا على ذلك اصطباغ لون براز من يتعاطى الأدوية الحديدية بالصودا، ولو لم يكن في التمر من فائدة سوى احتوائه على المغنزيوم لكفاه بذلك سببا يضعه في مقدمة الأغذية  والفواكه المفيدة . فقد لوحظ أن سكان الواحات  واكثرهم من الفقراء والبؤساء- لايعرفون مرض السرطان إطلاقا ن ا وان هذا المرض لم يعرف طريقه إليهم أبدا ، والمعتقد أن غنى التمر بالمغنزيوم هو سبب انعدام السرطان لدى أولئك الناس.

والتمر كما ذكرنا ن غني بعدد من أنواع السكاكر كالغليكوز ( سكر العنب ) والليكولوز ( سكر الفاكهة ) والسكاروز ( سكر القصب) . ونسبتها فيه تبلغ حوالي سبعين في المائة . ولذا فالتمر وقود من الدرجة الأولى ، والسكاكر الموجودة في التمر سريعة الامتصاص ، سهلة التمثيل، تذهب رأسا إلى الدم فالعضلات لتهبها القوة ، والى الحجيرات لتمنحها القدرة والحرارة ، وإذ لا يحتاج امتصاصها إلى عمليات هضمية  وعمليات كيماوية حيوية معقدة ، كما هو الحال مثلا في المواد الدهنية والنشوية ( كالموجود في الخبز والأرز)التي تحتاج إلى مفرزات هضمية وأعمال بيولوجية لتتحول الى دكسترين فسكاكر قابلة للامتصاص . وقد تثبت بان جسم العامل لا يمكنه أن يستغني عن المواد السكرية كوقود ومبعث للطاقة العضلية ولكنه قد يستغني عن المواد الدهنية ، إذا نقص السمن من الغذاء  لا يسبب اضطرابا بيّنا في جسمه لان البدن يسهل عليه تكوين هذه المواد الدهنية من ماءات الفحم نفسها أي من السكاكر.

وتستطيع المعدة هضم التمر وامتصاص السكاكر الموجودة فيه خلال ساعة أو بعض الساعة ، فتسير في الدم بسرعة حاملة الوقود إلى الدماغ والعضلات كما تسير سيارات الاسعاف متخطية جميع وسائل النقل الأخرى.

بينما الحلوى المدنية التي نتفنن في تزويقها بالسمن والنقل ، وفي تنويعها ، والمعجنات  الكثيرة التي تزخر بها مخازن الباعة ومطابخنا تحتاج في هضمها إلى عدة ساعات ، لأن المواد الدهنية الموجودة في الحلويات الشرقية تعيق الهضم وتؤخره ست ساعات تقريبا فيبطؤ الامتصاص.

 وعلى هذا الأساس ينصح الأطباء الصائمين الذين يشعرون بالدوخة والتراخي وزوغان البصر بتناول كمية من السكاكر ولا سيما من السكاكر الطبيعية الحرة الموجودة في التمر ، إذ تزول الدوخة ويزول الكسل خلال نصف ساعة تقريبا.

لقد تنكب كثير من الصائمين سنة الرسول الأعظم الذي كان يقتصر في إفطاره على بضع تمرات وجرعة من الماء يقوم بعدها إلى الصلاة حتى إذا أغطش  الليل وانتهى من الصلاة تناول طعاما خفيفا يسد جوعه، ويسد حاجة جسمه من الغذاء ،دون الشعور بالتخمة أو بالامتلاء .

 ولقد اثبت الطب الحديث صحة سنة الرسول الأعظم  في الصيام  وفي الإفطار ، فالصائم يستنفذ في نهاره عادة معظم وقود جسده ، أي يستنفد السكر المكتنز في خلايا جسمه ، وهبوط نسبة السكر في الدم عن حدها المعتاد هو الذي يسبب ما يشعر به الصائم من ضعف و كسل وزوغان في البصر، وعدم القدرة على التفكير أو الحركة.

لذا كان من الضروري أن نمد أجسامنا بمقدار وافر من السكر ساعة الإفطار، ( لا أن نمدها بكميات كبيرة من المواد الدهنية والنشوية)فالصائم المتراخي المتكاسل في أواخر يوم صيامه ، تعود إليه قواه سريعا ويدب النشاط إلى جسمه في اقل من ساعة إذا اقتصر في إفطاره على المواد السكرية ببضع تمرات مع كأس ماء أو كأس من الحليب وبعد ساعة يقوم الصائم إلى تناول عشائه المعتاد. ولهذا النمط من الإفطار ثلاث فوائد:

الأولى : إن المعدة لا ترهق  بما يقدم إليها من غذاء دسم وفير بعد أن كانت هاجعة نائمة طيلة ثماني  عشرة ساعة تقريبا ، بل تبدأ عملها بالتدريج في هضم التمر السهل الامتصاص ، ثم بعد نصف ساعة يقدم إليها الإفطار المعتاد.

 والثانية كان تناول التمر أولا يحد من جشع الصائم فلا يقبل على المائدة ليلتهم ما عليها بعجلة دون مضغ أو تذوق.

والثالثة :إن المعدة تستطيع هضم المواد السكرية في التمر خلال نصف ساعة فإذا بالدم يترع بالوقود السكري الذي يجوب أنحاء الجسم ويبعث في خلاياه النشاط ن فيزول الإحساس بالدوخة والتعب سريعا.

 أما إذا اقبل الصائم الجائع على المائدة – كما هو شائع – يلتهم الزفر ( من مرق وسمن) ويعقبها بمختلف الحلويات والفاكهة ثم يردفها بكأس  أو ثلاث من الماء تمدد العصارة المعدية وتبطل مفعولها ، فان سوء الهضم  وتعفن الأمعاء سيكون حتما من نصيبهن وسيلازمه الشعور بالإعياء  والإحساس بالدوخة والتعب ، يضاف إلى ذلك شعور جديد مؤلم هو حس  الامتلاء المعدي ، والنفخة البطنية، وسيظل الدم فقيرا إلى ما يحتاجه الصائم من وقود السكر لأن المعدة لن تنتهي من هضم وجبة الانفطار الدهنية قبل مضي سبع ساعات أو أكثر وستبقى حجيرات الجسم تئن وتصرخ طالبة غذاءها الذي لم يصلها رغم وصوله للمعدة .وصراخها يترجم عادة بالتراخي والدوخة وزوغان البصر وعدم استطاعة صاحبها القيام بأعماله الجسدية والفكرية.

ولو اتبع المسلمون في صيامهم سنة الرسول العظيم فافتتحوا إفطارهم ببضع تمرات وكأس واحدة من الماء او الليمونادة أو عصير البرتقال، لجنوا فوائد الصيام الصحية ولحققوا عندئذ ما جاء في الحديث الشريف: صوموا تصحوا.

ولنتذكر دائما أن ليست العبرة بالتغذية في كميات الطعام الوفيرة  الداخلة إلى أفواهنا ن بل بأنواعها . أي ليست العبرة في الكم ولكنها في الكيف . فرب وجبة صغيرة حوت المواد السكرية والمعادن والفيتامينات كالتمر ن مع قليل من الخبز أو الحليب أو اللحوم عادت على الصائم بالصحة ، وأمدته بالقوة أكثر من وجبة مكتظة بأصناف الاطعمة الدسمة أو المقبلة ، تعسر الهضم ، وتسيء غالى المعدة والكبد فتسمم الجسم . ولقد جاء في الحديث الشريف: " ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه".

 وفائدة السكاكر الموجودة في التمر لا تنحصر في منح الحرارة والقدرة  والنشاط بل أنها مدرة للبول تغسل الكلى وتنظف الكبد . ويلجأ الجراحون  عادة إلى زرق  المبضوعين ( الذين تجري لهم العمليات ) بالمصول أي السيرمات التي تحوي  السكاكر مع قليل من الملح وذلك لتغذية  المبضوع أو لغسل كليتيه ، ويبقى السكر العلاج الأوحد في معالجة تسمم الدم بالاوره

( الاوره ميا) لذلك فالذي يعتمد على تناول التمر يكون ضامنا لجهازه الدموي والعصبي أكثر من الاشخاص اللاحمة  المغرمة بتناول اللحوم ، لما تتركه هذه المواد من فضلات سامة قد يسبب تراكمها تسمما في الجسم بطيئا.

وفي المعجميات الطبية القديمة جاء ذكر التمر على انه احد الثمار الصدرية الاربع التي يعطي منقوعها لمن يشكوا السعال والبلغم  والتهاب القصبات.

وهي العنب (الكشمش) والتين والتمر والعناب يؤخذ من كل منها خمسون غراما ( على أن تكون مجففة طبعا)  يضاف إليها ليتر من الماء  وتغلي قليلا على النار و يشرب  منقوعها مقشعرا وملطفا  للجهاز التنفسي.

 وأخيرا فان التمر يحوي أليافا سللوزية تكسبه الشكل الخاص به . وتساعد هذه الألياف الأمعاء على حركاتها الاستدارية  وبذلك تجعل التمر ملينا  طبيعيا  ممتازا ن يستطيع من اعتاد على تناوله يوميا أن ينجو من حالات القبض المزمن . وينفق شعب الولايات المتحدة ما يربو على عشرة ملايين  دولار سنويا ثمنا للحبوب الملينة وحدها ، وقد أخذ الأطباء  الأمريكان في الآونة الأخيرة يقرعون ناقوس الخطر ، ينبهون الناس إلى ضرر هذه الحبوب التي تعد مخرشة للغشاء المخاطي المبطن  للأمعاء  ، محطمة  للجدار الواقي القائم بين الدم والمواد الثقيلة (البراز). إن هذه الحبوب المخرشة تسبب حركات معوية اصطناعية غير طبيعية تلفظ الأمعاء بموجبها محتواها الغذائي قبل امتصاص ما يحويه من مواد تدخل الدم حاملة معها  القوة والحركة . إن المواد الغذائية ( بمفعول الملينات) تمر بالترانزيت متعبة جهاز الهضم ، مفسدة الصحة بحرمانها من المواد الضرورية لها. ولا يقتصر ضرر الملينات على هذا فحسب ن بل يتجلى أذاها في الأمعاء الغليظة حيث تظل فترة أطول  بتماس مع جدار هذه الأمعاء فتسبب  التهاب القولون ، ولا يجد الماء الموجود في الرواسب الغذائية الوقت  الكافي للامتصاص  فيؤدي ذلك إلى انتفاخ البطن والمغص والقرقرة .ولما كانت هناك صلة وثيقة بين الجهاز الهضمي والجهاز العصبي ، كان أي تهيج من شأنه أن يؤدي إلى الشعور  بتعب جسمي وفكري ويشعر المريض  عل الأثر بالانحطاط. فماذا يفعل؟ انه يزيد في كمية الحب الملين ظنا منه أن الكمية لم تكن كافية، وبعمله هذا يخرب أمعاءه. والاعتياد على أحذ الملينات  يضعف الغشاء المخاطي  الذي يقف سدا دون الدم وبقايا الأطعمة والنفايات السامة . وبالتالي يتغالظ ويتكاثف  ثم يتشقق هذا السد فيسمح عندئذ بمرور السموم الداخلية ، فيغدو صاحبه سوداوي المزاج ، عصبيا يثور لأتفه الأسباب ، ويضجر من كل مكان وكل عمل . ولو انه اعتاد تناول التمر يوميا لتخلص من هذا الاضطراب  الجسدي النفساني لأن الألياف السللوزية تعين الأمعاء في حركاتها الاستدارية بصورة طبيعية  فيتبرز الإنسان  يوميا بشكل طبيعي دون عناء أو دواء.

 وبعد فان إضافة الجوز واللوز إلى التمر أو تناوله   مع الحليب يزيد في قوته وغناه بالمواد البروتينية والدهنية . وقد ذكرنا بأن طعام الأعراب كان مؤلفا من التمر والحليب فكانوا مضرب الأمثال في القوة والصحة والرشاقة ، ولم تعرف عنهم إصابتهم  بالأمراض المزمنة الخبيثة.

 ويعتقد العلماء أن سبب ذلك يعود إلى وجود الأملاح المعدنية القلوية  في التمر، هذه  الأملاح التي تعدل حموضة الدم acidose المتأتية عن تناول النشويات ( الخبز والأرز) بكثرة، والمعروف أن حموضة  الدم هي السبب في عدد غير قليل من الأمراض  العائلية  الوراثية كحصيات الكلى والمرارة ، والنقرس ، وارتفاع الضغط  والبواسير وغيرها .

ومن الامور  الجديرة بالتقدير في هذه الفاكهة الشتوية أنه بالامكان حفظها في العلب أو لفها بالورق وضغطها بحيث   تحتفظ بجميع خواصها وصفاتها مدّة طويلة .

وهكذا نرى أن الطبيعة قد جهزت بلادنا الشرقية  العزيزة بكنوز طبيعية عظيمة ، غذائية كالتمر   وصناعية كالبترول ، ولو أحسن العرب استثمار كنوزهم هذه لعاشوا أغنياء هانئين ، وبأثواب  السعادة والرفاهية  منعمين. 



 

أحدث أقدم

نموذج الاتصال