الدراق والمشمشpêche , abricot
هناك كثيرا من وجوه التشابه بين الدراق ( الدراقن) والمشمش- فهما يتشابهان في الشكل ، وان اختلفا في الحجم والمذاق ، كما أنهما يوصفان في حالات مرضية متشابهة ، وبالإضافة إلى ذلك ، فهما ينزلان إلى الأسواق في مواعيد متقاربة ، كما نهما يتميزان بميزة واضحة هي أنهما من أسرع الفواكه فسادا .
و مع قصر المدة التي يظهران خلالها في الأسواق ، فإنهما يتمتعان بمكانة عالية بين الفواكه الصيفية ، كما يتميزان بإمكانية صنع أنواع مختلفة ومتعددة من المربيات.
الدراق pêche
يعتقد علماء النبات أن موطن الدراق هو الصين.أما المشمش فيقولون أن أصله يعود إلى افغنستان وتركستان . ومنذ أقدم عهود التاريخ كانت للدراق مكانة خاصة في الوصفات الطبية والمعتقدات الدينية على السواء.
فمنذ آلاف السنين ، ورد ذكر الدراق في أحد كتب الحكمة الصينية،فقيل انه إذا أكل في الوقت المناسب حفظ الجسد من التفسخ والفساد حتى نهاية العالم ، وهذا قول مبالغ فيه –جدا- بالطبع. ولكنه يعطينا فكرة واضحة عن النظرة التي كان الأقدمون ينظرون إليه بها ، والفوائد التي اكتشفوها فيه حتى زعموا انه يمنح الخلود لجسم آكله.
ومن الصين انتقل الدراق إلى منطقة بحر قزوين وإيران وسورية ، ثم انتقل إلى مصر ، فقدسه أهلها آنذاك، وكرسوه للإله " هاربوكرات " اله الصمت . ومع ظهور المسيحية ، وما رافقها من هجرة إلى مختلف مناطق الأرض ، انتقل الدراق إلى ايطاليا ، ومنها إلى أوروبا ، وفي ذلك الحين كتب " بلين"شاكيا من ارتفاع سعره ارتفاعا كبيرا، وقال أن السبب في ذلك هو سرعة تطرق الفساد إليه. ولعل هذا هو السبب في أن " غاليان" وبعض الأطباء العرب ، كتبوا فيما بعد قائلين إن الدراق مؤذ للمعدة . ولكن هذا الاتهام لم يقم طويلا ، ففي مدرسة " سالونا" الطبية ، اعتنى عالم البستنة بالدراق فاستو لد منه أنواعا كثيرة بلغت منذ عهد الملك لويس الرابع عشر ثلاثة وثلاثين نوعا. ولم تقتصر الإفادة من الدراق على ثمره فقط،بل تعدته إلى أزهاره ، وحتى اليوم مازال بعض المزارعين في المناطق الجنوبية من فرنسا يضيفون أزهار الدراق المتساقطة إلى "السلطة "، كما يتناقلون أسطورة تقول : إن دراقة منقوعة في الخمر تشفي من داء الحب !
وفي نفس الوقت الذي عرفت فيه أوروبا الدراق ، عرفت –كذلك- المشمش ، ففي أوائل القرن الأول للميلاد ، انتقلت زراعة المشمش إلى ايطاليا ، وظلت مقصورة عليها تقريبا ، حتى القرن الخامس عشر ، عندما انتشرت في جميع أرجاء أوروبا .
الدراق فاكهة حلوة المذاق ،ذات رائحة عطرية زكية ، مغذية ، ولكن الإفراط في تناولها قد يسبب اضطرابات في الأمعاء ،وقد لوحظ أن العمال الذين يتولون جني ثماره ، تصاب أيديهم بتخرشات واضحة بسبب احتكاكها بالعفنيات المنتشرة على سطح الثمرة
إن جميع أنواع الدراق تتشابه من حيث تركيبها العام ،فهي تحتوي على ماء بنسبة 81% ، وعلى سكر بنسبة 4.5 % وعلى ماءات الفحم بنسبة 7% ، وعلى حمضيات بنسبة 1%
وعلى نشويات بنسبة 0.50% وعلى سيللوز بنسبة6%، كما تحتوي على مقادير عالية من الفيتامين(ث (c وعلى الفيتامينات (ب (B و(ب2،2 (Bو(ب ب، (PPولذا فالدراق يعتبر مقويا للأعصاب والأمعاء، ويفيد للشعر والجلد ، كما انه ذو خاصية محرضة لوظائف الكبد و الأمعاء والمعدة بسبب كثرة السكر فيه ، وان السيللوز الموجود فيه يقوي عضلات
الأمعاء فيساعدها على مكافحة الإمساك.لذلك فالذوق ملين ، ومدر ، نافع في تبول الدم وحصيات المثانة والكلى ، يحافظ على قلوية الدم ويسهل الهضم.
ولا ضرر من تناول الدراق إذا ما تم ذلك باعتدال بالنسبة لذوي المعدات السليمة ، أما أولئك الذين يشكون من قرح في معداتهم ، أو التهابا في أمعائهم ، فانه صعب الهضم بالنسبة إليهم ، ويؤذيهم الإفراط فيه.
كذلك يكون الدراق صعب المذاق بالنسبة للمصابين ببثور في الحلق أو التهاب في اللوزتين واللثة ، ولذا فان بإمكان المصابين بهذه الحالات ، أن يتناولوا الدراق على شكل خشاف (كومبوت) وذلك بغلي الدراق بالماء والسكر مع بعض الفواكه.
إن خير أنواع الدراق الذي نتناوله ، ما كان ناضجا ، طريا ، ناعم الملمس، يذوب في الفم تلقائيا. ومن الطريف أن نعلم أن أزهار الدراق وأوراقه تحتوي على خاصيتين متنافرتين ، فان لغليهما مفعولا مهدئا للأعصاب ، ومثيرا للأمعاء. ففي حالة توفز الأعصاب يعطي منقوع أزهار الدراق المرفوعة على النار حتى الغليان ، والمبردة إلى اليوم التالي ، فهذا من شأنه أن يسبغ على شاربه الهدوء والسكينة ،أما في حالة ركود الأمعاء فان نفس الوصفة تصلح لإثارتها وحملها على الحركة والتخلص من الفضلات السامة ، والقضاء على الإمساك.
المشمشabricot
أما المشمش ،فهو من أشهر وأشهى فواكه الصيف وأقربها إلى إقبال الآكلين . وتمتاز أراضي سورية بإنتاج أنواع عديدة فاخرة من المشمش تبلغ عشرين نوعا، أشهرها البلدي الذي يمتاز بحلاوة طعمه وكبر حجمه ولونه الضارب الى الحمرة وكثرة أليافه ، والعجمي الذي نعرفه بلونه العاجي الضارب للحمرة ، وكبر حجمه ، وكثرة حلاوته ، وقلة أليافه، ثم الوزري والتدمري والكلابي، وهذا الخير صغير الحجم ، رخص الثمن ، وتزيد نسبة إنتاجه عن الأنواع الأخرى.
إن ثمار المشمش تحتوي 30%من وزنها بذورا ، وتحتوي هذه البذور 20%من وزنها لحمات جافة ( واللحم ما يؤكل من بذور المشمش)أما الباقي أي المشمش بلا بذور فهو ما يدعى بلب المشمش.
تركيب لب المشمش الكيماوي.
يحتوي لب المشمش في كل 100 غرام منه على المواد الآتية :
ماء 81%
مواد سكرية 8.1%
مواد معدنية 0.8 %
حموض عضوية 1%
مواد سللوزية 8%
والفيتامينات ( آA )و (ب1،B1) و ب2، 2 B )و(ث ، C) وبنظرة خاطفة الى التركيب الكيماوي للمشمش ، تبين لنا انه قليل القيمة الحرارية ولكنه يحتوي على مجموعة ثمينة من الأملاح المعدنية والفيتامينات .
فالمعادن الموجودة يختلف شأنها ولزومها للحياة من عنصر لآخر .فالبوتاسيوم ( وهو العنصر الغالب حيث يوجد بمقدار 300ميلغرام في كل مئة غرام من لب المضمض)وكذا الصوديوم هما من العناصر الضرورية لحياة الخلايا.
أما الكالسيوم والفسفور فضروريان لتكوين الهيكل العظمي ن والحديد ضروري جدا لتكوين خضاب الدم ( هيموغلوبين).
ويحتوي المشمش على مجموعة من الفيتامينات ، تشد أزر الأعصاب وتقويها ، والأوعية الدموية فتساهم في وقايتها من التصلب ، وترطب الأمعاء وتحفظها من الالتهاب والوهن.
ويحتوي المشمش على مقدار 13%ملغ من الفيتامين (ب1، B1) الذي يفعل باتحاده مع حمض الفسفور (وهو موجود في تركيب المشمش)لتكوين خميرة الكربو كسيلاز ، وتفعل هذه الخميرة في تجزئة وتفكيك السكريات.
ويحتوي المشمش أيضا على مقدار 13%ملغ من الفيتامين (ب2، B2) الذي يساهم في الوقاية من اضطرابات الرؤية وسوء التغذية وشقوق الشفتين والتهاب المخاطيات . ويدخل في استقلاب المواد السكرية والدسمة والمعدنية وحوادث الأكسدة والإرجاع الغريزية .
ويؤثر الفيتامين (ث ، C) الموجود في المشمش بمقدار 10 ميلغرامات بالمائة ،غرام من لب المشمش في داء الحفر والحثل Dystrphie وينقص زمن النزف إذا أشرك مع الحديد. والحديد معدن موجود بصورة طبيعية في المشمش.
إما الفيتامين (آ) الموجود في المشمش بحالة جزرين ( كاروتين) بمقدار 5-6 ميلغرامات بالمائة فيفعل كواق للبشرة ومضاد للخوص والأنتان.
ومن اهم ميزات المشمش مقدرته على تعديل الحموض الضارة المتخلفة في الجسم من بعض الأغذية الأخرى، إذا يحتوي على مقدار اكبر من الأسس المعدّلة كالمعادن والطرطرات التي لا يبدأ مفعولها إلا بعد عملية الهضم.
ويعتبر المشمش – بهذا – من أقوى العوامل النباتية في تقوية العظام والأنسجة ، لأنه يهب حجيراتها الحياة، ويزيد في نشاطها ونموها، ولهذا فيجب إعطاؤه للأطفال الآخذين في النمو، والى المصابين بفقر الدم والضعف العام ، كما يعطي مستحلبه للرضّع.
وقد كان الأطباء العرب يستخرجون من زيت بذر المشمش دواء يعالجون به فقر الدم وآلام
الاذن، فقد كان يكفي تقطير بضع نقاط دافئة من زيت بذر المشمش في الأذن المصابة لتسكن آلامها على الفور، كما استعمل البذر كطارد للديدان، وكان غلي ثمرة المشمش في زيت الزيتون وإعطاؤها للمصابين بالاسهالات الحادّة ، علاجا ناجعا لهذه الاسهالات.
ولا تقتصر فوائد المشمش على كل ما ذكرنا ، إذا إن له فوائد أخرى عديدة .فشرائح(القمرالدين)المصنوعة من المشمش، أشهر من أن تعرّف ،وخاصة في شهر رمضان المبارك حيث ينقع القمر الدين ويصنع منه منه شراب سائغ لذيذ ،يروي العطش ، ويساعد الصائمين على تحمل مشاق العطش والجوع.
ويحضر القمر الدين بعصير الفاكهة ثم تبخير العصير على ألواح خشبية تعرض إلى أشعة الشمس ؛ بوضعه على قماش مشدود وتركه يجف بالهواء الطلق.
والقمر الدين غني بالحديد ،نظرا لغنى المشمش نفسه بهذه المادة كما ذكرنا ،كما إن وجود العناصر المعدنية الأخرى ،والفيتامينات ،وتركز المواد النشوية والبروتينية عند العصر ووجود الأملاح المعدنية . كل ذلك يجعل من القمر الدين غذاء يقي الجسم من الإنهاك، والتعب بسبب الصيام ويمنع عنه الشعور بالضمأ والجفاف.
إن كمية مؤلفة من أربع من ثمار الدراقن وسبع من ثمار المشمش تعتبر كمية كافية للشخص العادي أيام الصيف ، لتطهير الجهاز الهضمي، وتنظيم عمله ، ولكن من الضروري أن نختار الثمار المجففة بحرارة الشمس وفعل الهواء ن لأن ذلك يغني محتويات الثمار من الفيتامينات ، ويمكن إضافة بضع شرائح من الليمون أو البرتقال ، إلى تلك الكمية وغمسها بالماء الساخن،ثم تناولها في اليوم التالي على الريق. إن المداومة على هذه الوصفة بضعة أيام من شانها أن تعطي نتائج باهرة لمن يشكو من اضطراب جهاز الهضمي.
المشمش الهندي
وأخيرا ... فعندما نذكر المشمش المعروف ، يتبادر إلى ذهننا المشمش الهندي ، وهو الفاكهة الربيعية التي تعارفنا على تسميتها " اكي دنيا" فهي تشبه المشمش العادي في الاسم فقط ، أما في المفعول، فإنها تفيد في القبض وتنظم عمل الأمعاء لدى المصابين بالاسهالات ، نظرا لوجود العفص وحامض التفاح " الماليك"وحامض الليمون وحامض الطرطير في تركيبها . ويفيد المشمش الهندي –كذلك – في فترات الطمث.


